نظام التنفيذ

المحتويات

ديوان المظالم ويدء العمل بنظام التنفيذ 1445، لطالما كان صدور الحكم القضائي ضد جهة إدارية يمثل نهاية مشوار قانوني طويل بالنسبة للمدعي، لكنه في الوقت ذاته كان يفتح باباً من التساؤلات حول “آلية التنفيذ” ومدى استجابة الجهات الحكومية لتلك الأحكام. في خطوة تاريخية تعكس نضج المنظومة العدلية في المملكة العربية السعودية، أقر مجلس القضاء الإداري بدء العمل بـ نظام التنفيذ أمام ديوان المظالم” اعتباراً من 4/2/1445هـ. هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي جديد، بل هو إعلان عن دخول القضاء الإداري السعودي عصر “الامتثال الجبري”، حيث أصبحت الأحكام القضائية تمتلك القوة والنفاذ بموجب منصة رقمية متطورة تنهي حقبة الاجتهادات الإدارية في التأخير أو المماطلة.

أولاً: حوكمة المرحلة الانتقالية (سياسة الأولوية الزمنية)

من أذكى ما تضمنه قرار مجلس القضاء الإداري برئاسة معالي الدكتور خالد بن محمد اليوسف، هو وضع آلية دقيقة لقيد الطلبات تراعي “تراكم السنوات السابقة” من خلال بدء العمل بنظام التنفيذ في ديوان المظالم. فالنظام لم يغفل الحقوق القديمة التي قد تكون تعثرت لسنوات، بل جعلها في طليعة المستفيدين.

لقد حدد المجلس فترة التسعين يوماً الأولى من عمر النظام لتكون مخصصة حصرياً للسندات التنفيذية التي مضى عليها أكثر من خمس سنوات. هذا الترتيب الزمني يهدف إلى تنظيف الأرشيف القضائي من القضايا العالقة ومنح أصحاب الحقوق القدامى الأمل في استرداد حقوقهم فوراً. وقد وضع المجلس معيارين دقيقين لحساب هذه المدة:

  1. للأحكام القضائية: يبدأ الحساب من تاريخ اكتساب الحكم “الصفة النهائية”، أي بعد استنفاد كافة طرق الاعتراض أو فوات مواعيدها.
  2. للسندات التنفيذية الأخرى: (مثل العقود والمحررات التي لها قوة التنفيذ) يبدأ الحساب من تاريخ “نشوء الحق” المطالب به. هذه الدقة تمنع أي تلاعب في التواريخ وتضمن وصول الحق لمستحقيه وفق معيار الاستحقاق الزمني.

ثانياً: التحول الرقمي كضمانة للشفافية

لم يعد التنفيذ الإداري مجرد معاملات ورقية تنتقل بين المكاتب، بل أصبح “عملية رقمية مغلقة”. حيث اشترط القرار أن يتم تقديم كافة طلبات التنفيذ لصالح الجهات الإدارية عبر “منصة التنفيذ الإدارية الرقمية”.

هذا الربط الرقمي ليس مجرد تقنية، بل هو فلسفة قانونية تهدف إلى:

  • الربط المباشر مع المنصات الحكومية المشتركة: مما يعني أن نظام التنفيذ سيكون متصلاً بقواعد بيانات وزارة المالية، والبنك المركزي، وغيرها من الجهات ذات العلاقة، لضمان سرعة الحجز أو التنفيذ المالي.
  • منع التداخل البشري: اشتراط التقديم عبر المنصة كشرط لصحة الطلب (وعدم قبول ما يخالف ذلك) يقطع الطريق على أي محاولات للالتفاف على النظام أو المحاباة، ويجعل مسار القضية مكشوفاً ومراقباً إلكترونياً من لحظة التقديم حتى لحظة استيفاء الحق.
نظام التنفيذ
ديوان

ثالثاً: الأبعاد الاستراتيجية لنظام التنفيذ الجديد

لماذا يعتبر هذا النظام “ميزة” كبرى للاقتصاد والعدالة؟ تكمن الإجابة في ثلاثة محاور رئيسية:

  1. تحقيق العدالة الناجزة: العدالة التي تتأخر هي عدالة ناقصة. النظام الجديد يضمن أن “العدالة الناجزة” ليست شعاراً، بل واقعاً يتمثل في سرعة أداء الحقوق. فعندما تدرك الجهة الإدارية أن هناك نظام تنفيذ صارم ينتظرها، ستميل إلى التسوية أو التنفيذ الطوعي قبل الوصول لمرحلة التنفيذ الجبري.
  2. تعزيز الثقة في بيئة الأعمال: أحد أهم معايير البنك الدولي لتقييم سهولة ممارسة الأعمال هو “إنفاذ العقود”. بوجود هذا النظام، يشعر المستثمر المحلي والأجنبي بالأمان؛ لأن خصمه (وإن كان جهة حكومية) يخضع لنظام تنفيذ قضائي قوي يضمن استرداد أمواله وحقوقه دون عوائق بيروقراطية.
  3. دعم الحوكمة والنزاهة: النظام يقلص من سلطة الموظف العام في تعطيل الأحكام، مما يرفع من كفاءة الإنفاق الحكومي ويقلل من القضايا الكيدية أو التهاون في العقود، ويضع الجميع أمام مسؤولية قانونية مباشرة.

رابعاً: استشراف المستقبل بعد إطلاق المنصة

مع إطلاق منصة التنفيذ الرقمية، نحن أمام مشهد قضائي جديد يتسم بـ “السرعة، الحزم، والشفافية”. لن يكون هناك مكان للأعذار الإدارية المتعلقة بالميزانيات أو الإجراءات الطويلة؛ لأن النظام وفر المسار القانوني الواضح للتعامل مع هذه الحالات. إن ديوان المظالم، بقيادة الدكتور خالد اليوسف، يثبت مجدداً أنه يواكب تطلعات القيادة في بناء دولة المؤسسات والقانون، حيث السيادة للنظام، والعدل هو الميزان.

خاتمة

إن تاريخ 4/2/1445هـ سيبقى علامة فارقة في سجل القضاء الإداري السعودي. فبهذا النظام، اكتملت حلقة العدالة، وأصبح ديوان المظالم يمتلك “الأدوات والأسنان” اللازمة لحماية الحقوق. إنها دعوة لكل صاحب حق لم يطالب بحقه بسبب اليأس من التنفيذ سابقاً، ودعوة لكل جهة إدارية لمراجعة التزاماتها، فنحن في عصر لا يعلو فيه صوت فوق صوت العدالة النافذة.

لمزيد من التفاصيل يمكنك التواصل مع شركة إتقان المتميزة للمحاماة والاستشارات القانونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *