إثبات جريمة غسل الأموال في السعودية | طرق الإثبات والأركان النظامية

إثبات جريمة غسل الأموال في السعودية من القضايا القانونية الحساسة التي تحظى باهتمام بالغ من المنظم السعودي، نظراً لما تمثله هذه الجريمة من تهديد خطير للاقتصاد الوطني واستقرار النظام المالي، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بجرائم أصلية أخرى كالاتجار غير المشروع والفساد والاحتيال.

وقد جاء نظام مكافحة غسل الأموال ليضع إطاراً نظامياً صارماً يهدف إلى تجفيف منابع الأموال غير المشروعة، وتعزيز الشفافية المالية، وحماية المجتمع من الآثار السلبية لهذه الجرائم، وتكمن أهمية إثبات جريمة غسل الأموال في السعودية في كونه الأساس الذي تُبنى عليه المساءلة الجنائية، حيث لا يكفي مجرد الاشتباه أو وجود معاملات مالية غير معتادة، بل يتطلب الأمر توافر أدلة نظامية واضحة تثبت علم الجاني بمصدر الأموال غير المشروع، واتجاه إرادته إلى إخفاء أو تمويه هذا المصدر عبر وسائل وأساليب متعددة.

ومع تطور الوسائل التقنية وتشابك الأنشطة الاقتصادية، أصبحت إجراءات إثبات جريمة غسل الأموال أكثر تعقيداً، الأمر الذي يستوجب فهماً قانونياً عميقاً لأركان الجريمة ووسائل إثباتها، سواء كانت أدلة كتابية، أو قرائن رقمية، أو تقارير مالية، أو اعترافات، بما ينسجم مع أحكام النظام السعودي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

إثبات جريمة غسل الأموال 

أولا قبل الحديث عن طرق إثبات جريمة غسل الأموال، يجب بنا معرفة ما المقصود بالاثبات، فيُقصد بـ إثبات جريمة غسل الأموال في السعودية إقامة الدليل النظامي المعتبر على توافر أركان الجريمة المنصوص عليها في نظام مكافحة غسل الأموال، والمتمثلة في وجود أموال متحصلة من نشاط إجرامي، وعلم الجاني بعدم مشروعية مصدرها، واتجاه إرادته إلى إخفاء أو تمويه حقيقتها أو مصدرها أو حركتها أو ملكيتها.

تعرف ايضا على : عقوبة غسيل الأموال في السعودية

ويعتمد القضاء السعودي في ذلك على مبدأ حرية القاضي في تكوين قناعته من الأدلة والقرائن المتساندة، دون الاكتفاء بمجرد الشبهات أو الاشتباه في المعاملات المالية، بل لا بد من قيام دليل يربط بين المال محل الجريمة والجريمة الأصلية التي نشأ عنها، سواء كانت جريمة مالية أو جنائية أخرى، وتتنوع وسائل إثبات هذه الجريمة لتشمل:

  • السجلات والمعاملات البنكية: مثل كشوف الحسابات، والتحويلات المالية الداخلية والدولية، والإيداعات والسحوبات غير المعتادة التي لا تتناسب مع الدخل المشروع.
  • تقارير وحدة التحريات المالية: وما تتضمنه من تحليل لحركة الأموال المشبوهة، وتتبع مساراتها، وبيان الأساليب المستخدمة في الإخفاء أو التمويه.
  • الأدلة الرقمية والإلكترونية: وتشمل بيانات الأنظمة المصرفية، ورسائل البريد الإلكتروني، وسجلات التطبيقات المالية، متى ما جُمعت وفق الإجراءات النظامية.
  • العقود والمعاملات الصورية: التي يُستدل منها على استخدام وسائل شكلية لإضفاء مشروعية ظاهرية على أموال متحصلة من نشاط إجرامي.
  • القرائن القضائية: مثل عدم التناسب بين الثروة والدخل المشروع، أو تكرار العمليات المالية دون مبرر اقتصادي، أو استخدام عدة حسابات وأسماء ووسطاء بقصد التمويه.
  • أقوال المتهمين واعترافاتهم: متى ما صدرت بإرادة حرة ووفق الضوابط النظامية، وللمحكمة سلطة تقديرها.
  • شهادة الشهود: خاصة من ذوي الصلة بالمعاملات المالية أو الأنشطة محل الاشتباه، متى كانت شهادتهم متساندة مع باقي الأدلة.
  • تقارير الخبراء والمحاسبين القانونيين: التي تُبيّن طبيعة العمليات المالية، ومصادر الأموال، ووجود شبهة غسل الأموال من عدمه.
  • الربط بالجريمة الأصلية: بإثبات أن الأموال محل الدعوى متحصلة من نشاط إجرامي سابق، دون اشتراط صدور حكم نهائي فيه متى اقتنعت المحكمة بذلك.

وهذه الوسائل مجتمعة تُشكل الأساس النظامي الذي تعتمد عليه المحاكم في إثبات جريمة غسل الأموال في السعودية متى كانت الأدلة متساندة ومؤدية إلى نتيجة جازمة.

إثبات عدم مشروعية المال في جريمة غسل الأموال 

إثبات عدم مشروعية المال في جريمة غسل الأموال 

يُعد إثبات عدم مشروعية المال في جريمة غسل الأموال في السعودية ركناً جوهرياً لا تقوم الجريمة بدونه، إذ يتعين على جهة الادعاء إثبات أن الأموال محل الدعوى متحصلة من نشاط إجرامي يُعد جريمة أصلية وفقاً للنظام.

ويستند ذلك إلى تقديم (أدلة وقرائن نظامية) تثبت “وجود صلة سببية” بين المال والجريمة الأصلية، مثل :

(تتبع مسار الأموال)
(وبيان مصدرها الحقيقي)
(وإظهار عدم وجود نشاط مشروع يبرر حيازتها أو تداولها)

ولا يكفي في هذا السياق مجرد الاشتباه أو الغموض في مصدر المال، بل يجب أن يطمئن القاضي إلى أن المال ناتج عن فعل محظور نظاماً، كجرائم الاحتيال أو الرشوة أو الاتجار غير المشروع أو غيرها من الجرائم المجرّمة.

ويعتمد القضاء السعودي في إثبات عدم مشروعية المال على القرائن المتساندة والأدلة الفنية والمالية، كعدم التناسب الواضح بين حجم الأموال والدخل النظامي للمتهم، أو استخدام أساليب معقدة لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال، أو اللجوء إلى معاملات صورية ووسطاء متعددين دون مبرر اقتصادي مشروع.

تعرف ايضا : اركان جريمة ترويج المخدرات

كما يُستفاد من تقارير الجهات الرقابية ووحدة التحريات المالية وتقارير الخبراء المختصين في تحليل العمليات المالية. ولا يشترط النظام السعودي صدور حكم نهائي في الجريمة الأصلية، متى ما ثبت للمحكمة من مجمل الأدلة أن الأموال متحصلة من نشاط غير مشروع، وبذلك يتحقق الأساس النظامي لإدانة جريمة غسل الأموال وفق أحكام نظام مكافحة غسل الأموال.

نظام مكافحة غسل الأموال 

يُعد نظام مكافحة غسل الأموال في السعودية الإطار النظامي الرئيس الذي نظم تجريم غسل الأموال وحدد أركانه وصوره والعقوبات المترتبة عليه، بهدف حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز نزاهة التعاملات المالية ومنع استغلالها في إخفاء أو تمويه متحصلات الجرائم.

وقد بيّن النظام المقصود بغسل الأموال، وصور السلوك الإجرامي المتمثل في إجراء أي عملية على أموال مع العلم بأنها متحصلة من نشاط غير مشروع، بقصد إخفاء أو تمويه مصدرها أو حقيقتها أو ملكيتها أو طريقة التصرف فيها. كما ألزم النظام المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة باتخاذ إجراءات العناية الواجبة، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، والاحتفاظ بالسجلات، بما يسهم في كشف الجرائم والحد منها.

وصدر نظام مكافحة غسيل الأموال في تاريخ 1439/2/5ه‍ الموافق 2017/10/25 وتم نشره في 1439/2/5 والموافقو2017/10/25 بمرسوم ملكي رقم (م/ 20) بتاريخ 1439/2/5ه‍ بقرار من مجلس الوزراء رقم (80) وتاريخ 1439/2/4.

اللائحة التنفيذية لنظام مكافحة غسل الأموال 

تُعد اللائحة التنفيذية لنظام مكافحة غسل الأموال في السعودية مكمِّلة لأحكام النظام ومفسِّرة له، إذ جاءت لتفصيل القواعد والإجراءات العملية اللازمة لتطبيق أحكامه على أرض الواقع، وتحديد الالتزامات الواجبة على الجهات الخاضعة للرقابة بشكل دقيق.

وقد نظمت اللائحة إجراءات العناية الواجبة بالعملاء، بدءاً من التحقق من الهوية، ومعرفة المستفيد الحقيقي، وفهم طبيعة العلاقة والغرض منها، مع الاستمرار في مراقبة العمليات المالية لضمان توافقها مع النشاط المشروع للعميل. كما بيّنت حالات تشديد العناية الواجبة، ولا سيما في المعاملات ذات المخاطر المرتفعة أو العمليات غير المعتادة.

وقد  أوضحت اللائحة التنفيذية آليات الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، والضوابط الواجب اتباعها عند الاشتباه في وجود شبهة غسل أموال، مع التأكيد على سرية البلاغات وحماية المبلّغين، ومنع إفشاء أي معلومات قد تُنبه العميل محل الاشتباه. كما حدّدت مدد الاحتفاظ بالسجلات والمستندات والبيانات المتعلقة بالعملاء والمعاملات المالية، بما يتيح للجهات المختصة الرجوع إليها عند الحاجة لأغراض التحليل والتحقيق.

إلى جانب ذلك، تناولت اللائحة صلاحيات الجهات الرقابية في التفتيش والرقابة وفرض الجزاءات الإدارية عند مخالفة الالتزامات النظامية.

كما أسهمت اللائحة التنفيذية لنظام مكافحة غسل الأموال في تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، وعلى رأسها وحدة التحريات المالية، من خلال تنظيم تبادل المعلومات داخلياً وخارجياً، بما يتوافق مع الاتفاقيات والمعايير الدولية. وبذلك تمثل اللائحة أداة تنفيذية فعّالة تدعم تحقيق أهداف النظام، وتضمن توحيد الإجراءات، ورفع مستوى الامتثال، وتعزيز كفاءة مكافحة غسل الأموال في السعودية.

تعرف ايضا على : عقوبة التأجير بدون عقد في السعودية

الأسئلة الشائعة 

1.ما هي الأدلة التي تثبت جريمة غسيل الأموال؟

 يمكن إثبات جريمة غسل الأموال في السعودية عن طريق  السجلات البنكية، التحويلات المالية المشبوهة، التقارير الرقابية، العقود الصورية، القرائن القضائية، واعترافات المتهمين وتقارير الخبراء الماليين.

2.كم أركان جريمة غسل الأموال؟

 تتمثل أركان جريمة غسل الأموال في  ثلاثة أركان:
الركن المادي: الفعل الإجرامي على المال.
الركن المعنوي: قصد الجاني بإخفاء أو تمويه المال.
ركن المصدر الجنائي: المال متحصّل من جريمة أصلية.

3.ما هو الحكم في قضية غسيل الأموال؟

الحكم في جريمة غسيل الأموال في السعودية هو توقيع العقوبة المقررة نظامًا، والتي تشمل السجن من سنتين إلى 10 سنوات وغرامة تصل إلى 5 ملايين ريال، أو كلاهما، وتزداد العقوبة لتصل إلى 3–15 سنة وساعة غرامة تصل إلى 7 ملايين ريال إذا اقترنت الجريمة بظروف مشددة مثل الجماعات الإجرامية أو استغلال النفوذ أو الوظيفة العامة.

4.ما هو الشرط المفترض لقيام جريمة غسل الأموال؟

الشرط المفترض لقيام جريمة غسل الأموال هو وجود أموال متحصلة من نشاط إجرامي، مع قيام الجاني بفعل مادي لإخفاء مصدرها أو تمويه ملكيتها، مصحوبًا بالنية والقصد الجنائي لمعرفة مصدر الأموال غير المشروع.

الخاتمة 

في الختام، يُعد إثبات جريمة غسل الأموال في السعودية من الركائز الأساسية لحماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على نزاهة النظام المالي، ويعتمد على توافر الأدلة والقرائن النظامية التي تثبت الفعل الإجرامي، والقصد الجنائي، ومصدر الأموال غير المشروع.

ومن خلال تطبيق نظام مكافحة غسل الأموال واللائحة التنفيذية، تعمل الجهات المختصة على كشف الجرائم المالية وملاحقة مرتكبيها، بما يضمن تحقيق العدالة وحماية المجتمع. إن فهم أساليب الإثبات والالتزام بالضوابط النظامية يمثل خطوة مهمة نحو مكافحة غسل الأموال بفعالية والحفاظ على الاقتصاد السعودي من المخاطر المالية والإجرامية.

يمكن لفريق إتقان المتميزة للمحاماة تقديم الدعم اللازم.

جوال: ‎‎ ‎+966543104848 .

جدة: حي العزيزية – شارع محمد بن عبدالعزيز (التحلية).

الرياض: طريق الملك عبدالعزيز–أمام Kingdom.

الدمام: شارع الأشرعة–حي البديع–الدمام 32415.

المصدر